الحارث المحاسبي

13

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم )

وكان الهجوم على المستوى الشعبي ممثلا كما يروي حنبل بن إسحاق في كتابه المخطوط « محنة أبي عبد اللّه بن حنبل » في أن أحمد بن أبي دؤاد بعد هزيمته أمام العلماء لجأ إلى وسيلة شيطانية يؤسس بها عقيدة خلق القرآن من جيل آخر من المسلمين ، فأصدر منشورا يلزم معلمي القرآن في « الكتاتيب » أن يقرروا على الصبيان حفظ عقيدة القول بخلق القرآن إلى جانب حفظ آيات القرآن . ولكن صف أهل السنة كان قويا لا تقوى عليه هذه الأوهام الوافدة على صورة ثقافات ومذاهب ومترجمات وبدع وأهواء تلقن مشافهة ، أو تملى على طامع من القراصنة المحترفين . وزاد من قوة أهل السنّة انحياز المدرسة الجديدة التي تمزج بين نص السنة وروحه في أعمق مراتبها وهم العلماء الزهاد الأوائل الأبرياء من كل دخيل من النظريات أو الأقوال الموهمة المتشابهة . وكان رأس هذه المدرسة الحقيقي هو الحارث بن أسد المحاسبي الذي سبق الغزالي بمزج الفقه الإسلامي مع عنصره الروحاني والنفسي ، فجاء أستاذا فريدا في بابه ، سابقا في منهجه لم نعرف له نظيرا سبق عليه ، ولا لحق به في مضماره كمنهج عميق من التحليل النفسي لأول مرة في التاريخ ، واستخدام هذا التحليل النفسي في خدمة شريعة الإسلام لأول مرة في الفكر الديني على الإطلاق . نشأ الحارث في بيت علم وثراء . فأبوه كان واسع الثراء ، وكان معنيا بالفكر الديني ، إلّا أنه كان قدري المذهب ، ولم يكن سنيا مستقيم الطريقة . ولكن الحارث على أي حال فتح عينيه على الحياة فرأى أباه من رجال الفكر ، مما كان له بالتأكيد أثره على اتجاه الحارث نحو الفكر هو الآخر ، ولكن لا على وجه التقليد الأعمى ، وإنما كان اتجاهه يكشف عن شخصية مستقلة ، وعقل يأبى إلّا العمل والدوران في أفلاكه حتى يرسم معالم طريقه بنفسه ، ولا يرسمه له الآباء ولا العشائر . وانتقل الأب بأسرته وفيهم الحارث إلى بغداد ، وبين مدارسها ، ولفظها الجدلي ، ودار حكمتها ، وحركتها الثقافية التي لا تهدأ ، والتي كانت مدا قويا لفتوة الإسلام في الحقيقة ، وفجأة تبدأ أول البوادر الفريدة في شخصية الحارث المحاسبي الفريد هو الآخر . فلقد اختار الولد طريق السنة معارضا قويا لأبيه ، وظهرت تلك المعارضة علانية عند « باب الطاق » في بغداد ، إذ أمسك الحارث بأبيه هناك ، وجمع حوله الناس ، وقال له على مسمع منهم : طلق أمي ، فإنك على دين وهي على دين غيره . وذلك أن الرجل كان قدريا ، وأن ابنه كان يؤكد كفر القدرية .